أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

230

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وقرأ ابن عباس « جهرة » بفتح الهاء وفيها قولان ، أحدهما : أنها لغة في جهرة ، قال ابن عطية : « وهي لغة مسموعة عند البصريين فيما فيه حرف الحلق ساكن قد انفتح ما قبله ، والكوفيون يجيزون فيه الفتح وإن لم يسمعوه » ، وقد تقدّم تحرير القول في ذلك . والثاني : أنها جمع « جاهر » ، نحو : خادم وخدم والمعنى : حتى نرى اللّه كاشفين هذا الأمر ، وهي تؤيّد كون « جهرة » حالا من فاعل « نرى » . والجهر : ضدّ السّرّ وهو الكشف والظهور ، ومنه جهر بالقراءة أي : أظهرها ، قال الزمخشري : « كأنّ الذي يرى بالعين جاهر بالرؤية ، والذي يرى بالقلب مخافت بها » . قوله تعالى : وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ : تقديره : وجعلنا الغمام يظلّلكم ، قال أبو البقاء : « ولا يكون كقولك : « ظلّلت زيدا يظلّ » لأن ذلك يقتضي أن يكون الغمام مستورا بظلّ آخر » وقيل : التقدير : بالغمام ، وهذا تفسير معنى لا إعراب ، لأنّ حذف حرف الجرّ لا ينقاس . والغمام : السّحاب لأنه يغمّ وجه السماء ، أي يسترها ، وكلّ مستور مغموم أي مغطّى ، وقيل : الغمام : السحاب الأبيض خاصة ، ومثله الغيم والغين بالميم والنون ، وفي الحديث « إنه ليغان على قلبي » « 1 » ، وواحدته غمامة فهو اسم جنس . والمنّ قيل : هو التّرّنجبين والطّرّنجبين بالتاء والطاء ، وقيل : هو مصدر يعني به جميع ما منّ اللّه تعالى به على بني إسرائيل من النّعم ، وكذلك قيل في السّلوى ، إنها مصدر أيضا ، أي : إنّ لهم بذلك التّسلّي ، نقله الراغب ، والمنّ أيضا مقدار يوزن به ، وهذا يجوز إبدال نونه الأخيرة حرف علة ، فيقال : « منا » مثل عصا ، وتثنيته منوان ، وجمعه أمناء . والسّلوى المشهور أنها السّماني بتخفيف الميم . طائر معروف . والمنّ لا واحد له من لفظه ، والسّلوى مفردها سلواة ، وأنشدوا : 483 - وإني لتعروني لذكراك سلوة * كما انتفض السّلواة من بلل القطر « 2 » فيكون عندهم من باب : قمح وقمحة ، وقيل : « سلوى » مفرد وجمعها سلاوى ، قاله الكسائي ، وقيل : سلوى يستعمل للواحد والجمع ، كدقلى وشكاعى وقيل : السّلوى : العسل ، قال الهذلي : 484 - وقاسمها باللّه جهدا لأنتم * ألذّ من السّلوى إذا ما نشورها « 3 » وغلّطه ابن عطية ، وادّعى الإجماع على أن السّلوى طائر ، وهذا غير مرض من القاضي أبي محمد ، فإن أئمة اللغة نقلوا أن السّلوى العسل ، ولم يغلّطوا هذا الشاعر ، بل يستشهدون بقوله . قوله : كُلُوا هذا على إضمار القول ، أي : وقلنا لهم : كلوا ، وإضمار القول كثير في لسانهم ، ومنه : « وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ » « 4 » أي : يقولون سلام ، « وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما

--> ( 1 ) أخرجه من رواية الأغر المزني مسلم ( 4 / 2075 ) ، في كتاب الذكر . . . باب استحباب الاستغفار ( 41 / 2702 ) . ( 2 ) تقدم وهو لأبي صخر الهذلي انظر شرح أشعار الهذليين ( 2 / 957 ) . ( 3 ) البيت لأبي ذؤيب انظر ديوانه الهذليين ( 1 / 158 ) ، واللسان « سلا » ، وفيه أنه لخالد بن زهير . ( 4 ) سورة الرعد ، آية ( 23 ) .